مشاكل الزراعة في العراق…. متى تنتهي؟

مشاكل الزراعة في العراق…. متى تنتهي؟

(ملاحظات في بناء إستراتيجية ناجحة للنهوض بواقع القطاع الزراعي)

د. سمير حسن ليلو

خبير- باحث علمي

e- mail: [email protected]

28-122011

منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام (1921) والحكومات المتعاقبة تضع في أولوياتها تطوير القطاع الزراعي أنطاقاً من إدراكها لأهمية  هذا القطاع في النهوض بالاقتصاد المستدام وتقدم البلاد، لكن لم تؤدي أي من تلك السياسات إلى النتائج المرجوة ورغم تحقيق بعض النجاحات البسيطة هنا وهناك، إلا أنها لم ترتقي لمستوى الطموح، بل وأكثر من ذلك فأن واقع الحال الذي نعيشه يومياً يشير إلى تخلق القطاع الزراعي (بما في ذلك الثروة الحيوانية) ومعاناة هذا القطاع من مشاكل في عدم القدرة على تغطية السوق المحلية بالإنتاج المطلوب، وأصبحنا نستورد كل المنتجات الزراعية والحيوانية بلا استثناء من الخارج، عدا هجرة أهل الريف إلى المدنية والبطالة وغيرها من المشاكل المترتبة في تدهور هذا القطاع. قد يتصور البعض في تسمية هذا التدهور إلى الاحتلال وما صاحبه من مشاكل بعد عام (2003) ولكن هذا لا يكفي أذا ما أردنا الوصول إلى حلول ناجحة للنهوض بواقع القطاع الزراعي بشكل حقيقي ومستدام. أن المسألة الزراعية في العراق ذات خصوصية مختلفة عن بقية البلدان المتميز بإنتاجها الزراعي الوفير، فعلى الرغم من أن سكان بلاد الرافدين هم أول من أكتشف الزراعة في العالم أجمع، وكما يقول المؤرخ جورج روو في كتابة “العراق القديم” ما يلي: “يبدو واضحاً من الدلالات المتوفرة لدينا الآن أن الثورة النيوليثيه (أي بداية العصر الحجري الحديث عندما تحول الاقتصاد من جمع القوت إلى اقتصاد أنتاج القوت بواسطة الزراعة وتدجين الحيوانات) قد حدثت بخطوات متسارعه في منطقة الشرق الأدنى (بضمنها العراق حالياً) في وقت ما حوالي عام (7000 ق.م)” أي بوقت مبكر بالنسبة إلى أي منطقة في العالم مثل وادي النيل أو الهند والصين وغيرها. ربما لأن الشرق الأدنى كان يتمتع بأفضل الظروف المناخية الملائمة، وربما كان البقعة الوحيدة في العالم القديم التي نمت فيها حبوب الحنطة والشعير البرية والتي جعلت أمكانية زراعتها بواسطة الإنسان بشكل واسع ومنتظم يوفر أمكانية تخزين قوت غير قابل للتلف لفترة من الزمن، يستطيع الإنسان أن يستقر ويكّون تجمعات سكانية مدنيه والتي ندعوها الآن “بحضارة وادي الرافدين القديمة”. كذلك كان العراق يطلق عليه بأرض السواد في العصور التي تلت ذلك وإلى أيام العباسين حيث أصبح مركزاً لإمبراطورية عظيمة لما يتمتع به من مميزات زراعيه وخصوبة تربه وخيرات وفيرة، لكن حصلت تطورات عديدة بين تلك العصور وعصرنا الحالي فقد كانت حياة الإنسان ونشاطاته المختلفة مشروطاً لحد بعيد بالأرض وطبيعة التربة وكمية الأمطار وخطوط توزيع الينابيع والآبار ومسارات الأنهار ومعدلات المياه الجارية فيها، لقد كان لتلك العوامل تأثيرها العميق على الإنسان فهي التي تؤشر طرق تجارته ومغامراته العسكرية، وهي التي تدعوه الاستقرار كمزارع أو تحتم عليه الترحال والبداوه الرعوية عند انتقاله إلى مرحلة رعي الحيوانات الأليفة، كما كانت تساهم أيضاً في تشكيل صفاته الجسمية والخلقية وتحدد نمط تفكيره ومعتقداته الدينية والفلسفية لدرجة ما.

لقد حصلت تطورات كثيرة في البيئة فلم تعد الأنهار تسير في نفس وديانها القديمة، ولم تكن الشمس بتلك الحرارة، ولم يكن هناك انحباس حراري في المحيط الجوي للكرة الأرضية، الذي أدى بدوره إلى المزيد من التصحر ونقصان المياه، وزيادة في ملوحة الأرض ونقصان في الخصوبة، وصعوبات جمه في الري من الأنهار الوفيرة في المياه كما كانت عليه الحال في العصور السابقة.

لقد استنزفت الفيضانات الكثير من العناصر الضرورية لنمو الزراع وكانت عمليه التبخر السريع عاملاً مهماً في زيادة الملوحة القاتلة لكافه المزروعات، لذلك لم تعد الزراعة مقتصرة على أيجاد حلول للعلاقة بين مالك الأرض (الإقطاعي) والمزارع كما يتصور البعض، ولم تعد عملية أنشاء مشاريع زراعيه حكومية تشكل جلاً جذرياً لمشكلة الزراعة في العراق. كما أثبتت تجارب السنين القريبة الماضي فشل كل تلك الجهود المضنية التي بذلت والتي ساعدت الإيرادات النفطية المتصاعدة في تموينها، ولم يقتصر فشل المشاريع  الزراعية الحكومية على العراق فقط، بل أن أمامنا دولاً قد سبقتنا في تلك التجربة وكان الفشل مصيرها مثل (الاتحاد السوفيتي السابق). لابد من التأشير هنا إلى البدائل في الترويج للشركات الاستثمارية الزراعية ضمن نشاط القطاع الخاص ولابد من دعم وتنشيط الاستثمار الزراعي بكل الوسائل المتاحة ومنها  هيئة الاستثمار والمصرف الزراعي وغيرها. هناك العديد من العوامل التي تلعب دوراً هاماً في أعاقة الزراعة وزيادة وتطوير المحاصيل الحقلية والثروة الحيوانية، لابد من تسليط الضوء عليها لكي تؤخذ في نظر الاعتبار لرسم سياسة ستراتيجية ناجحة ومستدامة. ولكن قبل ذلك أود أن أشير إلى الأسباب الرئيسية التي تجعل من الاهتمام بالزراعة أمراً حتمياً لا جدال فيه وكما يلي:

(1) توفير الأمن الغذائي والابتعاد عن تأثير الأزمات العالمية في شحه المحاصيل الحقلية وارتفاع أسعارها بين الحين والآخر كون الغذاء من الحاجات المادية الأساسية في حياة الإنسان.

(2) معالجة مشكلة البطالة وتوفير فرص عمل بأعداد كبيرة والتخلص من آفة العنف والإرهاب التي تجد لها من الريف حاضنه من خلال التستر في مناطق غير مأهول ونائية يصعب الوصول إليها.

(3) بناء اقتصاد متين ومستدام وتوفير موارد أضافية للدولة دون الاعتماد الكلي على تصدير النفط الخام المحدود والخاضع للعديد من الأزمات والتقلبات في الأسعار وغيرها.

(4) معالجة البيئة وتقليل التلوث الناجم عن حرق كميات كبيرة من النفط والغاز وتحسين المناخ.

(5) تقوية الشعور بالانتماء للأرض لما تنتجه من ثمرات تدخل في عروق المواطنين وتصبح جزءاً منه وتمدّه بالطاقة الحيوية وحب الوطن وتزيد من حرصه على بلده.

(6) تزويد الصناعة ببعض المنتجات كمادة أولية لتصنيع حاجيات أساسيه مختلفة.

أن الزراعة تعتمد على أربع مكونات أساسية مؤثرة في استدامتها بنجاح وهي:

1– الأرض والمناخ   2– الطاقة البشرية (الفلاح أو المزارع)   3– المياه 4– الإدارة وتوفير البني التحتية. ولنأخذ كل واحدة من تلك المكونات على انفراد لمعرفة ما يتطلب من أصلاح حولها وكما يلي:

(1) الأرض والمناخ: تختلف التربة العراقية في طبيعتها ومكوناتها بين الشمال والوسط والجنوب من حيث الخصوبة والملائمة لأنواع محدودة من المزروعات دون غيرها، ويمكن تصنيف معظم الأراضي في الوسط والجنوب (عدا المنطقة القريبة من الحدود السورية والمحاذية لنهر الفرات) باعتبارها ذات خصوبة واطئه استناداً إلى تصنيف فريق من الخبراء الروس (الاتحاد السوفيتي السابق) الذين قدموا إلى العراق في الستينات من القرن الماضي، وبعد تحليل التربة تبين لهم أن التربة العراقية تعتبر من الدرجة الرابعة في الخصوبة، لأنها تخلو من العناصر المفيدة للنبتة وعدم أعطاء كفاءة عاليه من الثمر وخلوها من المواد العضوية والسيليلوزية والبكتريا النافعة التي تحتفظ بعنصر النايتروجين المفيد للنبتة.

وكذلك تتميز بالتصلب السريع بعد عملية السقي والجفاف مما تتسبب في غلق المسامات ومنع جذور النبتة من التنفس، وتحتاج إلى المزيد من التقليب والتسوية لاحتوائها على مركبات الكالسيوم والمغنيسيوم بدرجه كبيرة، بينما تتميز الأراضي الخصبة بدرجة عاليه من الطبيعة الأسفنجية (Resilience) كتلك التي تصنف بالدرجة الأولى في الخصوبة ويكون لونها أسود وتأتي بعدها الأرض ذات اللون البني المحمر التي تحوي على نسبه عاليه من الحديد والمعادن الأخرى الضرورية لنمو المزروعات بكفاءة عاليه، كذلك فأن نسبه الملوحة (الضارة) ونقصان العديد من العناصر تجعل الفلاح مضطرا للإكثار من الأسمدة الكيميائية التي تلعب هي الأخرى دوراً في أضرار التربة من خلال حصول تلوث في المياه الجوفية وزيادة تصلب التربة ومنع نفاذ الهواء إلى الجذور مما تستدعي التقليب الدائم، وكل ذلك يتطلب جهداً كبيراً وصرف في الأموال مما يجعل المحصول غير قابل للمنافسة مع المحاصيل المستوردة، كذلك هناك خاصية أخرى في التربة العراقية وهي أن الأس الهيدروجين (PH) لمحلول التربة قاعدي أي فوق (7) وهذا غير نافع لنمو الأحياء بالمعدل المطلوب، ويمكن معالجه ذلك بسهولة برش التربة بحامض الكبريتيك المخفف أو خلطة مع مياه السقي لكي يصبح الأس الهيدروجين بين (55.5) الملائم للنمو كما هو معمول به في بريطانيا. فعلى الرغم من الإمطار الحامضية لديهم فأن المزارع الانكليزي يستخدم حامض الكبريتيك في التربة لتسريع نمو المزروعات العشبية لأغراض أعلاف الحيوانات وغيرها.

 أن ذلك لا يعني نهاية المطاف بل أن المعالجة سهله، وذلك من خلال المراكز البحثية التابعة لوزارة الزراعة في أن تقوم بدراسة الترب العراقية لكل منطقة للوقوف على المكونات والعناصر الأصلية التي تحتويها وتصنيفها بشكل ينسجم مع نوع المحاصيل والمزروعات الملائمة لكل تربه على انفراد وجعل أولويات في زراعه كل صنف حسب الجدوى الاقتصادي لغله الدونم الواحد فيما لو زُرعت لمحصول معين دون غيره. من هذا المنطلق تأتي أهمية دراسة الجدوى الاقتصادية (Feasibility) في معرفة الأسلوب المثالي للزراعة لما توفره من مردود اقتصادي أعلى ولكل نوع من المحاصيل. لقد دأبت الحكومية السابقة (قبل التغيير عام 2003) نحو سياسة الاكتفاء الذاتي أنطلاقاً من مبدأ الاشتراكية، وما يمكن أن تتعرض لها البلاد من مخاطر اقتصادية كالحصار ومحن الحروب وغيرها أدت لأن ينتهج النظام السابق سياسة أجبار الفلاح على زراعه محصول معين دون غيره، وذلك من خلال الدعم المتزايد من خزينة الدولة لتوفير محصول الحنطة والشعير والقطن وغيرها من المحاصيل والتي لم تصل إلى النتيجة المرجوة أصلاً. أما الآن فلابد من تغيير تلك السياسات، ولابد من اللجوء إلى مبدأ سياسة “اقتصاد السوق” بالاندماج مع العالم الخارجي والدخول في المنافسة والتي أصبحت حتمية ولا يمكن عزل البلاد عنها عاجلاً أم آجلاً. لذلك فأن النظر في الجدوى الاقتصادية لكل مشروع اقتصادي تصبح ضرورياً لاتخاذ القرار الصائب بشأنه ومن هذا المنطلق فأن الزراعة يجب أن تتجه نحو زراعة ما يحقق قيمه مضافة أعلى مع الأخذ بعين الاعتبار المحاصيل الستراتيجية كالحنطة والشعير التي قد تستثنى من القاعدة لأهميتها في توفير غذاء أساسي. ولو أخذنا محصول الحنطة والشعير كهدف استراتيجي لسد حاجة المستهلك العراقي من الحنطة البالغة (-4.4 مليون طن) سنويً، فيمكن الوصول إلى سد هذه الكمية من خلال تحديد مناطق التربة الصالحة والملائمة واستخدام البذور المحسنة جينياً كتلك التي تحتاج لأقل كمية من المياه وتنسجم مع الأجواء الحارة أثناء النمو واستخدام طرق الزراعة الحديثة من حيث السقي والتقليب والبذار وغيرها بدلاً من صرف الجهود المبعثرة هنا وهناك دون اعتبار للجدوى الاقتصادية. أن دراسة غلة الدونم الواحد من المحصول أمراً مهماَ فكثير من الدول الزراعية المهمة تترك الأرض بين سنه وأخرى لزرعها محصول الحنطه لكي تستعيد قدرتها على أعطاء مردود اقتصادي مجزي، لقد وصل أنتاج حبه القمح في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن الحبة الواحدة تعطي (70) حبه، بينما تتراوح في الدول الأوروبية بين          (4535) حبه كما هو عليه الحال في بريطانيا والدنيمارك، وهكذا الحال في أستراليا وغيرها. لذلك أصبح معروفاً أنه من غير المجزي أن تزرع الحنطة لتنتج الحبة الواحدة أقل من         (3025) حبه وتعتبر خسارة أذا ما أنتجت دون ذلك، وهذا يدعوا للتفكير جدياً في التوجه نحو البذور المحسنة مع تحديد المناطق الزراعية الأكثر ملائمة، ويمكن عمل خارطة للعراق توضح فيها المناطق الزراعية الأكثر ملائمة لكي يكون دليلاً للمزارعين والمستثمرين وتصنيف الأراضي بدرجات من الخصوبة بعد أجراء تجارب عديدة عليها. هنا لا بد لنا من طرح مقترح هام نحو التوجه بالاهتمام بالثروة الحيوانية بكل أشكالها من الأسماك والدجاج والأبقار والجاموس والأغنام والماعز والجمال وغيرها.

لما تغطيه من مردود اقتصادي عالي في توفير اللحوم والمنتجات الحيوانية الأخرى، وما قد توفره من أسمدة طبيعية من الفضلات المتبقية لتحسين التربة. أن توفر الإمكانات المادية للعراق من خلال ما يمتلكه من ثروة نفطية تتيح الفرصة الواسعة في تنمية الثروة الحيوانية من خلال شراء أفضل أنواع الأبقار، وذلك بإعطاء قروض للفلاحين الراغبين في تربية المواشي وأقامه محطات متخصصة ومتكاملة، وهناك على سبيل المثال أبقار محسنه تعطى (60) لتراً أمن الحليب يومياً (أمريكية) بينما لا يصل منتوج الأبقار المتوفرة لدينا حالياً بأكثر من (20) لتر حليب يومياً بأحسن الأحوال وهذا يشكل فرقاً كبيراً في الإنتاج. هنا لابد من الإشارة إلى ظاهرة مورثه لدينا منذ القدم وهي أن الفلاح لا يتخصص بنوع معين من المنتوج الزراعي فقد ثبت خطأ هذا النهج لأن التخصص في زراعه معينه أو تربية حيوانات تجعل منه ملمأ  بكل جوانبها السلبية والايجابية وقادراً على أدارتها وتطويرها وتسويقها بشكل أفضل. لقد أدت الأزمات الزراعية في جعل الفلاح يعمل كل شيء من زراعه شتوية وصيفيه وقليل من تربية الأغنام والأبقار والدجاج وربما حتى حوض من الأسماك لكي تسد واحدة بالأخرى أذا حصلت أي خسارة.

أن ذلك النهج خاطئ وهو الخسارة بعينها، فلو قارنا التركيز على نوع معين والتوسع به وإعطاء حقه من العناية  والاستفادة من الهفوات والتجارب السابقة فأنه سوف يحقق أفضل النتائج وعلى المرشد الزراعي أن يعمل بهذا الاتجاه في التوعية. لابد من الإشارة هناك أمكانية زراعه الإعشاب الطبيعية لأغراض الأعلاف الحيوانية من خلال جلب أنواع من البذور التي تتلاءم مع الجو العراقي الحار والمتوفرة في أفريقيا والهند وأمريكا اللاتينية يمكن البحث عنها. وتجربتها وتعميم المفضل منها من حيث النتائج وسهولة الانتشار والحاجة القليلة للسقي وعمودها أيام الجفاف والملوحة أحياناً. وهذا يتم من خلال المراكز البحثية في وزارة الزراعة بجلبهم لبذور عشبية متنوعة من مناطق مختلفة من العالم وتحديد الأصلح لتعميها في الزراعة البرية.

وعودة إلى موضوع تحسين خصوبة التربة فمن المعروف أن هناك محاصيل تتميز باحتفاظ جذورها بالناتيروجين كالبقوليات وعباد الشمس وغيرها، ومن التجارب التي جرت في بلدان العالم نذكر على سبيل المثال بلدان أمريكا الوسطى مثل هندوراس ونيكاراكوا وبنما حيث أعطت الفاصوليا الحمراء (Red-Beans) مردوداً اقتصاديا ملحوظاً، وأحدثث ثورة زراعيه عندهم وشجعت الاستثمار. لما أعطية من مميزات في تحسين التربة ليس فقط من خلال الاحتفاظ بالناتيروجين بل ساعدت في تكوين تربه رخوة (Resilienete) لا تحتاج إلى التقليب (الكراب) وفي أعطائها أعلاف غنية بالبروتين الذي يسرّع في نمو الأبقار والعجول وبالتالي زيادة في أنتاج اللحوم ومنتجات الألبان.

كذلك فأن ضرورة زراعة الأشجار المعمرة في محيط الأراضي الموزعة على  الفلاحين الذين أعطتهم الدولة الأراضي باللزمه وذلك بتحديد أسيجه من ذلك الأشجار لكي تكون مصدرات للرياح الحارة في الصيف كما معمول به في دول زراعية مختلفة مثل بريطانيا حيث تم تشريع قانون أجبر المزارعين بتحديد أراضيهم بالأشجار وكان ذلك منذ القرن الثامن عشر وأحدثث تطوراً زراعياً ملحوظاً منذ ذلك الحين. لذلك ومن أجل المضي قدماً في مكافحة التصحر لابد من أيجاد سبل لتحفيز المزارعين بالإكثار في زراعه الأشجار والتي تمد جذورها نحو المياه الجوفية دون الحاجة إلى السقي، بعد سنوات قليله عن عمر النبتة الأولية، وهذا سوف يساعد في توفير الأخشاب المفيدة في صناعات مختلفة وبالتالي زيادة في الثروة الوطنية.

(2) الطاقة البشرية (الفلاح أو المزارع): لا شك أن الذي يقوم بعملية الزرع فعلياً هو المزارع في الحقل وليس الحكومه أو الوزاره المعنيه ولا أي جهة أخرى، وتتوقف عملية نجاح البرنامج الزراعي برمته من خلال العمل الكفوء والمثمر لمن يزرع الأرض، وأكاد أن أجزم بعدم وجود مزارع بالمستوى العصري الحديث (في الاعم الأغلب) بالمقارنة مع الكثير من الدول ذات الإنتاج الزراعي الوفير سواء في العالم المتقدم أو في بعض الدول النامية حديثاً. لذلك تحتاج المزيد من الجهد في الإرشاد والتوجيه والإعداد وتطوير القدرات وذلك يتطلب رفع المستوى الثقافي والمعرفي ومحو الأمية لأبناء الريف نساءاً ورجالاً لكي نستطيع من نقل المعلومة إليهم بسهولة. ويتوجب علينا في وضع إستراتيجية بعيدة المدى في تطوير القطاع الزراعي اتخاذ الخطوات التالية:

أ- أقامة مراكز محو الأمية لأبناء الريف وتوزيع نشرات إرشادية دوريه عليهم.

ب- أنشاء المدارس ومراكز التدريب المتخصصة بالزراعة والتربية الحيوانية والصحة العامة ومحاولة توصيل كل خدمات الاتصال مع العالم الداخلي والخارجي من القنوات الفضائية والبريد الالكتروني (Inter- net) لكي يكونوا على بينه بما يجري من تطورات علمية وتقنية في حقل الزراعة، وتسهيل طرق الأداء للاستفادة منها في حياتهم اليومية وتطوير حياتهم.

ج- العمل على أقامه دورات تدريبيه ومحاضرات متخصصة إرشاديه في المناطق الريفية بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني لرفع مستوى الأداء وتنمية روح المبادرة في حل المشاكل الزراعية الآنية.

د- إرسال متدبين من أبناء الفلاحين الشباب في دورات إلى الخارج متخصصة لاطلاعهم على الطرق الحديثة في الأداء الزراعي وتربية الحيوانات في الدول المتقدمة، ولفترات قصيرة لكي يتمكنوا من كسر هذا الانقطاع الطويل عن العالم المتمدن والارتقاء بمستوى الأداء الذي سوف ينعكس على زيادة الإنتاج وتحسينه.

هـ- تشجيع وزيادة دعم المبادرات الزراعية الحديثة من خلال زيادة حصة التسليف لمن يبادر في زراعه محصول جديد ومحسن أو أنتاج حيواني يحدث طفرة مميزاه في اختصاص معين. وتوزيع جواز رمزية للمزارع الذي يحقق كفاءة إنتاجيه ونوعيه عاليه في الحقل الزراعي أو الحيواني. وتشجيع بناء المشاريع الزراعية الاستثمارية المتكاملة كتلك التي تقوم بعمليات التعبئة والتغليف الحديثة أو عمليات صناعية بسيطة من منتجاتهم الزراعية كإنتاج الألبان واللحوم معجون الطماطة وتعليب التمور وغيرها.

و- توفير طرق المواصلات السهلة والتي تتيح التواصل بين الريف والمدينة لتسهيل إيصال المنتجات الزراعية والحيوانية من المناطق النائية إلى مراكز التسويق ودعم أنشاء المخازن المكيفة الملائمة لحفظ تلك المنتجات لمنع تلف المحصول. أن عملية أنشاء الطرق والقناطر في المناطق النائبة من اختصاص مجالس المحافظات بالتعاون مع المزارعين وأصحاب الأراضي أنفسهم دون الحاجة إلى السلطة المركزية، ويمكن القيام بها للنهوض بواقع القطاع الزراعي المتدهور حالياً.

(3) المياه: على الرغم من أن هذا الموضوع أصبح متخصصاً، ويحتاج لبحث منفرد، ولكن لا بد من  التأشير لبعض النقاط الهامة للتذكير وهي أن المياه المتوفرة عبر نهري دجلة والفرات والروافد والمياه الجوفية الصالحة للزراعة غير مستغله بشكل مثالي في الزراعة، لذلك لابد من اتخاذ الخطوات التالية:

أ- دراسة موضوع أقامة سدود عديدة لتنظيم مناسيب المياه في الأنهار وإمكانية أنشاء سد على شد العرب أو حتى بالقرب من القرنه للاستفادة القصوى من المياه والحيلولة دون هدرها إلى الخليج، والإكثار من تخزين المياه في موسم الشتاء في البحيرات والأهوار.

ب- ضرورة الإسراع بتنظيم شبكات المجاري للمياه الثقيلة في كافة المدن ومعالجة المياه الثقيلة وأعادتها إلى المشاريع الأروائيه الزراعية القريبة من مناطق المعالجة ومنع رمي المخلفات في الأنهار من خلال سن القوانين والمراقبه الصارمه من قبل الجهات المعنية بالأمر.

ج- التركيز في استخدام الري بالرش والتنقيط والتوسع في الزراعة بالغرف الزجاجية والبلاستيكية بالنسبة للخضروات وإدخال أصناف من الرز التي لا تحتاج لكميات كبيرة من المياه واستغلال المياه الجوفية الحلوة والمستدامة وذلك بزيادة حفر الآبار الارتوازية في تلك المناطق.

د- دراسة أمكانية أنشاء محطات تحليه المياه المالحة سواء كانت من المصب العام لمياه البزل أو أقامة مشاريع التحلية من مياه الخليج. ويمكن أن يتم ذلك أما بطريقة الترشيح الجزيئي للملح باستخدام ما يعرف بـ (Osmosis pressure) أو بطريقة التبخر والتكثيف باستخدام الغاز الطبيعي والمصاحب النفط الذي يحرق هدرا في المناطق القريبة من الآبار النفطية، أو بطرق استخدام الطاقة الشمسية لنفس الغرض.

هـ- اختيار المزروعات ذات المحاصيل التي تحتاج لأقل كمية من المياه، فمثلاً محصول البطاطا يحتاج إلى نصف ما يحتاجه محصول الرز بالإضافة لأن البطاطا تحوي على مواد بروتينيه أعلى وذات فائدة غذائية أكبر من الرز. ويتم ذلك من خلال زيادة الدعم لهذا المحصول دون غير.

ر- تبطين الجداول والسواقي الناقلة للمياه خاصة تلك التي تذهب لتزويد المياه لمناطق بعيدة أو نقلها بالأنابيب البلاستيكية لمنع التبخر غير المبرر والتسرب إلى المياه الجوفية.

(4) الإدارة وتوفير البني التحتية: مما لا شك فيه أن عملية الإدارة للزراعة تلعب دوراً مهماً في نجاح الخطة الزراعية، وتشتمل ابتداءاً من عملية توزيع البذور والتقاوي الخاصة بالمزروعات الخضرية المحسنة إلى عمليات الخزن التي تضمن المحافظة على المنتوج الزراعي من التلف والتي يفتقر إليها الريف العراقي في الوقت الذي يتميز فيه البلد من جو حار وجاف مما يتطلب المزيد من الجهد لتوفير ظروف خزن ملائمة وفي مناطق سهله وقريبه لاستلام المنتوجات الزراعية من الفلاحين.

ويمكن للحكومة أن ترسم سياسات متوازنة من حيث التحكم بالأسعار بالنسبة للمحاصيل الحقلية مثلاً كالحنطة والشعير والرز وحتى في مجال الثروة الحيوانية بحيث لا تعّرض الفلاح أو المزارع إلى الأزمات، فعلى سبيل المثال هناك مواسم وحالات تصل فيها ربحية المزارع إلى درجة عالية جداً وغير معقولة بحيث لا يستطيع هو نفسه من أستبعابها وكيفية التصرف بالإرباح المفاجئة القادمة إليه، وعدم وجود قدرة على استثمارها في أنشاء مزارع نموذجية وتطوير حالته الاجتماعية، بينما تأتي مواسم أخرى من القحط بحيث يتعرض إلى خسائر كبيرة ترغمه على ترك أرضه والهرب إلى المدينة لعدم قدرته على تسديد الديون المترتبة عليه، أن عملية السيطرة على الأسعار وتحديد الربحية تعتمد على الحكومة ومدى أتباعها لسياسات سعريه معقوله ومتوازنة للمنتجات الزراعية ومداخلاتها والخدمات المقدمة، وهذا يتوقف على التخطيط السليم من خلال دراسة بيانات لحالة السوق ومدى الحاجة والكميات المنتجة ونوعياتها بالإضافة إلى التحكم في أسعار المدخلات الزراعية والخدمية والموازنة مع المخرجات، أن عملية تنظيم وموازنة الأسعار منتجات الزراعية يمكن التحكم بها من قبل الحكومة من خلال قنوات عديدة تصب في عملها لخدمه زيادة الإنتاج الزراعي وتحقيق العدالة في التوزيع ما بين المزارع والمستهلك. ولابد من تشجيع ودعم عمليات التعئبه والتغليف للمنتجات الزراعية في كل الريفية لتسهيل عملية التسويق ومنع المنتجات من التلف أن السياسات الزراعية الرصينة هي من اختصاص الحكومة، لأنها هي وحدها المسؤلة عن عمليات تنمية البلاد برمتها ونظرا لعدم وجود نظام ضريبي متطور في الوقت الحاضر فأن عملية رسم سياسات زراعية رصينة تضمن التنوع في المنتجات المربحة وتكفل حاجه المستهلك النهائي وتحقق العدالة أمراً ضرورياً.

أما فيما يخص البني التحتية للنهوض بالقطاع الزراعي فيمكن تلخيصها بما يلي:

أ- توفير الكهرباء للقرى والأريان وتشجيع ودعم تأسيس محطات كهربائية على الطاقة الشمسية وبناء طاحونات الهواء البسيطة منها لغرض سحب المياه من الآبار مثلاً وحتى لتوليد كمية من الكهرباء تكفي لسد احتياجات مناطق نائيه قليله السكان باستخدام طاقة الرياح المستدامة.

ب- أنشاء البيوت الحديثة اللائق بالعيش العصري بحيث تتوفر فيها حمامات نظيفة وتوفير المياه الصالحة للشرب في كل المناطق الريفية على المدى البعيد.

ج- أنشاء المراكز الصحية توفير كل المستلزمات المطلوبة والإسعافات الأوليه في المناطق الريفية النائبة وتوفير الأدوية والرعاية الصحية اللازمة للفلاحين وأبنائهم.

د- توفير المراكز البيطرية للحيوانات ومعالجة الأمراض المستوطنة والشائعة في الريف العراقي وكذلك معالجة الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان وتحذير المزارعين منها لمنع نقل الأمراض من الحيوانات التي تعيش في محيطهم إليهم، وتوفير كل الأدوية والمعقمات المطلوبة لتفادي الإصابة بالأمراض قبل وقوع الكارثة، ويمكن استخدام الهورمونات التي تساعد في الإسراع بالنمو بالنسبة للعجول وغيرها من الوسائل الحديثة.

التوصيات:

(1) ضرورة وضع إستراتيجية جديدة لتنمية القطاع الزراعي تأخذ بعين الاعتبار دراسة الجدوى الاقتصادية المحاصيل  والمزروعات وتربيه الحيوانات في أولوياتها مع مراعاة طبيعة التربة الملائمة.

(2) الاهتمام بتعليم وإرشاد المزارع بالشكل الذي يمكنه من حل المشاكل وتطوير العمل والارتقاء بالأداء لتحقيق الزيادة في الإنتاج الزراعي وتحسين النوعية والكفاءة.

(3) ضرورة الاستفادة من كل التجارب والخبرات المتوفرة في دول العالم التي سبقتنا في هذا المضمار ونقل ما يتناسب مع التربة والمناخ العراقي.

(4) نوصي بالاهتمام بالثروة الحيوانية وتوفير كل المستلزمات الضرورية للارتقاء في زيادة وتحسين منتجاتها.

                                                                                                                                                                                                                    (5) ضرورة الترويج لإقامة شركات استثمارية زراعية متخصصة ضمن نشاط القطاع الخاص

Comments are closed.